الرئيسية / المقالات / كلمات في الدفاع عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله

كلمات في الدفاع عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، السميع العليم، واللطيف الخبير، أقام على عباده الحجة البالغة ببعثة نبيه صلى الله عليه وسلم محمدًا، فأرسله بالهدى والنور المبين، فقال سبحانه: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا) [الفتح:28]،ولا يزال هذا الدين محفوظا بحفظ الله له، على مر العصور والأزمان حتى تقوم الساعة، كما بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (لاتزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهــم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك)[1]،  فأخذه الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقلوه بأمانة وعدل إلى من بعدهم، والتابعون كذلك، وأتباع التابعين على غرارهم، وسار الأئمة على ذلك حتى وصل إلينا الإسلام اليوم، وسيبقى محفوظا بحفظ الله له، وبتهيئة الله عز وجل لعلماء هذه الأمة العدول الذين شرفهم الله بميراث النبي صلى الله عليه وسلم.

فكلما ابتعد المسلمون عن دينهم، وعن تعاليمه، وجهلوها، وخفيت على كثير منهم، هيّأ الله عز وجل بعنايته بهذه الأمة رجالاً استحقوا شرف تحمل هذه المسؤولية، فكانوا هم المجددون لدين الله فيهذه الأمة، فيبينون للناس دين الله بحقٍّ وصدقٍ وأمانةٍ، ليردُّوا الناس للحق الذي التبس عليهم، ويوضحوا حقائق الدين الإسلامي التي شوّهت، أو خفيت، وهؤلاء هم المجدّدون لدين الله.

ولست أعني بالتجديد هنا تجديدَ التحريف لمفاهيم دين الله، وحقائقه الشرعية كما يريده أهل البدع والأهواء والضلال،وإنما المقصود به تجديدٌ وإعادةٌ لإبراز الحق الذي دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، من حقائق توحيد رب العالمين، والعبادات والأحكام، التي يجب على المسلم أن يتحلى بها ويتّبعها، وأيضا التحذير مما خالف ذلك، من البدع والأهواء المضلة التي عصفت بالناس، وتلاعبت بهم من خلالها شياطين الإنس والجن، كما قال تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون) [الأنعام:112]،فاندَرَسَت المفاهيم الصحيحة وأصبح في نظر كثير من الناس الحقُ باطلاً والباطلُ حقًّا، فلم يميزوا بين ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وبين ما أُحدث في دين الله من البدع بعده، بل خفي على بعضهم ماهو واجب عليهم من دينهم، فكانت النتيجة أنهم عادوا أهله، وأنكروا عليهم دعوتهم، ومن المعروف أن الجاهل عدوٌّ لما يجهل، لذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن التجديد يكون في مثل هذا النوع، وهو الحق، إذ قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كلِّ مائة سنة من يجدد لها دينها)[2]، ومن هؤلاء الأئمة الأعلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، فجدّد الدين ودعا إلى الحق الذي دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك في فترة كان الجهل فيها مستحكما بالناس، والبدع والخرافة منتشرة فيهم، فكانت دعوته بالنسبة إليهم دعوة لدين مختلف، غير الذي تربوا عليه، وألِفوه، والسبب في ذلك هو أن نشأتهم كانت على البدعة، وجهلهم بالسنة.

ومن سنة الله عز وجل أن يلقى الداعي إلى الله ابتلاء في طريق دعوته إلى الحق، كما أن ذلك في الوقت نفسه ابتلاء لأهل الباطل الذين يعادونه ويردّونه، ولكن الحق ظاهرٌ، والباطل مضمحل زاهق، لا يصمد أمامه.

ظن بعض الناس أن لقب المجدد يرادُ به المبتدع في دين الله، ففهم من التجديد الابتداع المذموم، وليس إعادة إحياء الحق وبيانه للناس، فطعن في الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ودعوته، وما درى المسكين أنه أُتي من جهة جهله بالمراد الشرعي من هذه التسمية، والتي بيّنّاها آنفا، ومن قرأ أو سمع كلام علماء هذه الأمة المنصفين لَيعلمُ يقينا أن المقصود بالمجدد هوالذي أحيا وأظهر ما خفي والتبس على الناس من دين الله، فبيّنه للناس ودعاهم إليه، وأنه ليس فيما دعا إليه الشيخ رحمه الله بدعةٌ ولا مخالفةٌ للهدي النبوي الشريف.

وأيضا أُتي المسكين من جهة جهله بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي بينت ذلك المعنى، وأن من سنة الله عز وجل أن يجدد العلم والدين على أيدي علماءَ يختارهم لتجديده، على وفق الهدي النبوي، ونبذ ما خالف هذا الهدي والحمد لله.

فمما أثير من لغط حول دعوة الشيخ رحمه الله، وهي دعاوى كثيرة ليس هذا مقام ردها كلها، إنما بيان حقيقة بعضها، وليس ذلك إلا ردّا عن عرض هذا الشيخ الجليل الذي كثر الطاعنون فيه، وفيما يحمل، إما عن جهل أو هوى، والله تعالى يقول: (ستُكتَب شهادتهم ويسألون) [الزخرف:19]، وسنة الله عز وجل فيمن عادى الحق أن ينقطع ذكره، وتذهب آثاره التي قام بها، ويبقى الحق ناصعا، نقيّا، شامخًا، لا لأن الشخص مقدّس، ولكن لأن ما كان يحمله كان مقدّسًا وهو دين الله عز وجل، قال تعالى: (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) [الرعد:17]،فمن أراد معرفة سيرة الإمام الجليل الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله فلينظر بتجرد في كلام علماء العصر ممن عاصروه، أو جاؤوا بعده من المنصفين منهم، ومن ذلك على سبيل المثال، كتاب الشيخ الجليل أحمد بن حجر آل بوطامي رحمه الله رئيس المحكمة الشرعية بدولة قطر وعنوانه: “الشيخ محمد بن عبدالوهاب مجدد القرن الثاني عشر المفترى عليه ودحض تلك المفتريات”.

ومن تلكم الدعاوى،رميهم للشيخ ودعوته بأنها على عقيدة الخوارج، أو أن مؤداها إلى عقيدة الخوارج، وهذه الفرية، وأسميها فرية لأنها من حيث الافتراء أوضح من أن توضّح، ولم؟، لأن الذي قرأ كتب الشيخ أو بعضها، وعرف سيرته، وأنه كان يؤصل لعقيدة أهل السنة والجماعة خصوصا في مسائل الإيمان والكفر، يعلم يقينًا أن الكلام الذي قيل عنه مجرّد دعوى من الخصوم لدعوته السنّية الصحيحة، فناقلها -أي هذه الدعوى الذي قيلت عن الشيخ- إما أنه لا يعرف عقيدة الخوارج، أو أنه لا يعرف عقيدة أهل السنة -وهو الأقرب في نظري-،وعلى كل حال فالشيخ كانت له مؤلفات عديدة بيّن فيها معتقده الذي يعتقده في مسائل التوحيد والشرك والرد على بعض المقالات التي افتري عليه بها، ومن تلكم رسالته لأهل القصيم وهي مطبوعة ضمن مؤلفات الشيخ، وغالب كتبه التي ألّفها تثبت عكس ما قيل عنه، فإن الخوارج يكفّرون بارتكاب الكبائر، وعقيدة أهل السنة والجماعة على خلاف ذلك، فهم لايكفرون إلا من كفّره الله ورسوله بارتكاب الشرك الأكبر أو الكفر الأكبر، وإليك نموذجا من كلامه، قال رحمه الله في أحد رسائله: “بل نُشهدُ الله على ما يعلمه من قلوبنا بأن من عمل بالتوحيد، وتبرأ من الشرك وأهله، فهو مسلم في أي زمان وأي مكان، وإنما نكفّر من أشرك بالله في إلهيّته بعد ما تبين له الحجة على بطلان الشرك”[3]،  فهل قائل مثل هذا الكلام يكون على عقيدة الخوارج؟!.

وهذا ابنه الشيخ عبدالله رحمه الله يدفع هذه الفرية عن دعوة الشيخ، وهو أعرف الناس به حيث قال: “فإنا نعتقد أن من فعل أنواعا من الكبائر، كقتل المسلم بغير حق، والزنا، والربا، وشرب الخمر، وتكرر منه ذلك، أنه لا يخرج بفعله ذلك من دائرة الإسلام، ولا يخلد به في دار الانتقام، إذا مات موحّدًا بجميع أنواع العبادة”[4]،  ويقول حفيده الشيخ عبداللطيف: “الشيخ محمد رحمه الله أعظم الناس توقفًا وإحجاما عن إطلاق الكفر”[5]-أي على من لا يستحقّه-، ويقول رحمه الله في موضع آخر: “فإنّه -أي الشيخ محمد- لا يُكفّر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله من الشرك الأكبر، والكفر بآيات الله ورسله، أو بشيء منها بعد قيام الحجة وبلوغها المعتبر”[6].

فهل بعد كل هذا يزعُمُ زاعم أنّ الشيخ محمد بن عبد الوهاب كان على عقيدة الخوارج؟!

وإنّي لأزعم أنّ صاحب هذه الفريةِ -بأن الشيخ على عقيدة الخوارج- إنما أطلقها عليه لأنه قرأ أو سمع لخصوم دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، ولم يقرأ من كتب الشيخ، وقد يكون لعدم معرفته للمعتقد الصحيح قرأ ولم يفهم كلامه رحمه الله، فحمّل الكلام ما لا يحتمل، والله المستعان.

وختاما أسأل الله عز وجل أن يُعلي ذكر الشيخ الجليل رحمه الله، وأن يبصّر من أخطأ في المعرفة بحقيقة دعوة الشيخ، ليرجع إلى الحقِّ مَنْ كَتَبَ الله له النجاة في الآخرة، لكيلا يتحمّل وزر مقالته عند الله بما قاله عن هذا العالم الجليل من الافتراء، والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي لعظيم.


[1] صحيح مسلم، برقم 1920.
[2] سنن أبي داوود، برقم 4291.
[3] مجموع مؤلفات الشيخ، ج5، ص60.
[4] الهدية السنية، ص40.
[5] مصباح الظلام، ص 21.
[6] مجموع الرسائل، ج3، ص5.

وكتب/ منصور بن عبد الله الكواري
ليلةالأحد 9 ربيع الآخر 1440هـ
الموافق: 16 ديسمبر 2018م

شاهد أيضاً

دين محمد محمد ميرا ومعايير العلم الشرعي!

اترك تعليقاً